المقدمة
قد يبدو العقار سليمًا عند معاينته، ثم يفاجأ المشتري بعد استلامه بتسربات داخل الجدران، أو ضعف في العزل، أو خلل في التمديدات، أو تشققات لم تكن ظاهرة وقت الشراء. وهنا يثور السؤال: هل يتحمل المشتري تكلفة العيب، أم يكون البائع مسؤولًا عنه؟
لا يرتبط الجواب بمجرد ظهور العيب بعد البيع؛ بل يتوقف على طبيعة العيب، ووقت وجوده أو وجود سببه، وإمكانية اكتشافه عند المعاينة، ومدى تأثيره في قيمة العقار أو الانتفاع به، وما ورد في عقد البيع من إفصاحات وضمانات.
متى يكون العيب مضمونًا على البائع؟
قررت المادة (338) من نظام المعاملات المدنية أن البائع يضمن عند تسليم المبيع سلامته من أي عيب ينقص من قيمته أو من نفعه بحسب الغاية المقصودة منه، سواء كانت هذه الغاية مذكورة في العقد، أو ظاهرة من طبيعة العقار، أو من الغرض الذي أُعد له.
وبناءً على ذلك، فليس كل نقص أو ملاحظة في العقار عيبًا موجبًا للضمان؛ فقد تكون بعض الملاحظات بسيطة أو مما جرى العرف على التسامح فيه. وإنما يكون العيب مؤثرًا إذا أدى إلى خفض قيمة العقار أو الحد من الانتفاع المقصود منه.
ويضمن البائع العيب ولو لم يكن عالمًا بوجوده؛ فلا يكفي أن يقول إنه لم يكن يعرف به حتى تنتفي مسؤوليته. إلا أن العيب يجب أن يكون موجودًا عند التسليم، أو أن يكون سببه موجودًا قبل التسليم وإن لم تظهر آثاره إلا بعده. أما العيب الذي نشأ بعد التسليم بسبب سوء الاستخدام أو عدم الصيانة أو فعل المشتري، فلا يضمنه البائع.
ما الفرق بين العيب الخفي والعيب الظاهر؟
العيب الخفي هو العيب الذي لا يستطيع المشتري اكتشافه عند فحص العقار بالطريقة المعتادة وبعناية الشخص المعتاد. ومن أمثلته المحتملة: تسرب داخل الجدران، أو خلل في التمديدات الداخلية، أو ضعف في العزل لا يظهر إلا عند هطول الأمطار، أو عيب إنشائي غُطي بأعمال التشطيب.
أما العيب الظاهر، أو غير الخفي، فهو العيب الذي كان المشتري يعلم به، أو كان يستطيع اكتشافه لو فحص العقار بعناية الشخص المعتاد، مثل التلف الواضح في الأبواب أو النوافذ، أو التشققات الظاهرة، أو العيوب التي يمكن ملاحظتها في التشطيبات.
والأصل أن البائع لا يضمن العيب الظاهر الذي كان المشتري يعلم به أو يستطيع اكتشافه بالفحص المعتاد. ومع ذلك، يبقى البائع مسؤولًا في حالتين مهمتين:
- إذا ضمن للمشتري خلو العقار من عيب معين.
- إذا تعمد إخفاء العيب عن المشتري.
ولا توجد قائمة ثابتة تجعل كل تسرب عيبًا خفيًا، أو كل تشقق عيبًا ظاهرًا؛ لأن التوصيف يختلف بحسب طبيعة العيب، وظروف المعاينة، وطريقة إخفائه، ومدى حاجة اكتشافه إلى خبرة فنية. ولهذا يكون للتقرير الهندسي دور مهم في تحديد طبيعة العيب وسببه، ومدى إمكانية اكتشافه بالفحص المعتاد.
ما حقوق المشتري عند ثبوت العيب؟
إذا ثبت وجود عيب يضمنه البائع، فقد منحت المادة (338) من نظام المعاملات المدنية المشتري عددًا من الحقوق:
أولًا: طلب فسخ عقد البيع
يجوز للمشتري طلب فسخ البيع. وإذا حكم بالفسخ، عاد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد؛ فيعاد العقار إلى البائع ويسترد المشتري الثمن، وفقًا لأحكام المادة (111) من النظام.
ولا يقع الفسخ تلقائيًا بمجرد اكتشاف العيب؛ بل يُطلب من البائع، وعند النزاع يكون الفصل فيه للجهة القضائية المختصة.
وقد يسقط حق المشتري في الفسخ مع بقاء حقه في فرق الثمن، كما لو تصرف في العقار بما يخرجه من ملكه، أو رتّب عليه حقًا للغير وتعذر تخليصه منه خلال مدة معقولة، أو هلك العقار أو تعيب بفعله أو بعد تسلمه، أو أحدث فيه زيادة متصلة وفق الحالات المنصوص عليها في المادة (341).
أما إذا رضي المشتري بالعيب صراحة أو ضمنًا، فيسقط حقه في الفسخ وفي الرجوع بفرق الثمن معًا.
ثانيًا: الاحتفاظ بالعقار والمطالبة بفرق الثمن
يجوز للمشتري أن يحتفظ بالعقار ويطالب البائع بفرق الثمن. ويُحدد هذا الفرق بالنظر إلى نسبة التفاوت بين قيمة العقار سليمًا وقيمته وهو معيب، ثم تطبيق هذه النسبة على الثمن المتفق عليه.
ولا يساوي فرق الثمن بالضرورة تكلفة الإصلاح؛ فقد تكون تكلفة معالجة العيب أقل أو أكثر من مقدار النقص الذي أحدثه في قيمة العقار. ولذلك قد يحتاج تحديد فرق الثمن إلى خبرة هندسية وتقييم عقاري.
ثالثًا: المطالبة بالتعويض عن الضرر
للمشتري، إلى جانب الفسخ أو فرق الثمن، المطالبة بالتعويض عما لحقه من ضرر إذا كان لذلك مقتضٍ.
وقد يشمل التعويض، بحسب وقائع الحالة وما يمكن إثباته، تكاليف الفحص والتقارير الفنية، أو الأضرار التي لحقت بأجزاء أخرى من العقار، أو تكاليف السكن البديل عند تعذر الانتفاع بالعقار، أو غيرها من الخسائر المرتبطة بالعيب.
ولا يُحكم بالتعويض لمجرد وجود العيب؛ بل يجب إثبات الضرر ومقداره، ووجود علاقة مباشرة بينه وبين العيب. كما لا يجوز الجمع بين تعويضات تؤدي إلى جبر الضرر نفسه مرتين؛ فإذا عولج النقص كاملًا بإحدى وسائل التعويض، روعي ذلك عند تقدير الوسائل الأخرى.
رابعًا: إحضار بديل مماثل غير معيب
أجازت المادة (338) للبائع أن يتوقى طلب الفسخ أو فرق الثمن بإحضار بديل مماثل غير معيب. وقد يكون تطبيق هذا الخيار محدودًا في العقارات المعينة بذاتها، لكنه قد يكون متصورًا في بعض المشروعات التي تضم وحدات عقارية متماثلة.
خامسًا: حبس الجزء المتبقي من الثمن
إذا كان جزء من الثمن لا يزال مستحقًا، وتبين للمشتري وجود عيب مضمون على البائع، فقد أجازت المادة (349) سريان حكم حبس الثمن حتى يقدم البائع ضمانًا مناسبًا. وللبائع أن يطلب من المحكمة إيداع الثمن لدى الجهة المحددة بدلًا من تقديم الضمان.
ولا يُنصح باتخاذ قرار حبس الثمن بصورة منفردة دون التحقق من شروطه وإجراءاته؛ حتى لا يتحول المشتري نفسه إلى طرف مخل بالتزامه.
متى لا يكون البائع مسؤولًا؟
حددت المادة (339) الحالات التي لا يضمن فيها البائع العيب، وهي:
- إذا كان المشتري يعلم بالعيب وقت البيع.
- إذا كان يستطيع اكتشاف العيب لو فحص العقار بعناية الشخص المعتاد، ما لم يضمن البائع خلو العقار من عيب معين أو يتعمد إخفاءه.
- إذا كان العيب مما جرى العرف على التسامح فيه.
- إذا حدث العيب بعد التسليم، ما لم يكن مستندًا إلى سبب موجود قبل التسليم.
- إذا كان البيع في مزاد أجرته جهة قضائية أو إدارية.
كما أجازت المادة (343) الاتفاق على إعفاء البائع من ضمان العيب أو الحد منه أو زيادته. ولذلك قد يكون لعبارات مثل «بيع العقار بحالته الراهنة» أثر في تحديد مسؤولية البائع، بحسب صياغتها وظروف التعاقد.
ومع ذلك، لا يستفيد البائع من شرط الإعفاء أو الحد من الضمان إذا ثبت أنه تعمد إخفاء العيب.
إذا كان إخفاء العيب متعمدًا
قد يتجاوز الأمر ضمان العيب إلى التغرير إذا استخدم البائع وسائل احتيالية، أو تعمد السكوت لإخفاء أمر جوهري لم يكن المشتري ليبرم العقد لو علم به.
وقد أجازت المادتان (61) و(62) من نظام المعاملات المدنية للمغرر به طلب إبطال العقد إذا كان التغرير في أمر جوهري لولاه لم يرض بالعقد. ويختلف طلب إبطال العقد بسبب التغرير عن طلب فسخ البيع بسبب العيب؛ فلكل منهما أساسه وشروطه ومدده وآثاره.
كما أن إثبات تعمد الإخفاء بالغش يمنع البائع من التمسك بمدة الـ(180) يومًا المقررة لدعوى ضمان العيب، وفق الفقرة الثانية من المادة (344).
مهلة قصيرة تبدأ من تاريخ التسليم
ألزمت المادة (340) المشتري بالتحقق من حالة العقار بمجرد أن يتمكن من ذلك وفقًا للمألوف في التعامل. فإذا اكتشف عيبًا ظاهرًا يضمنه البائع، وجب عليه إبلاغه خلال مدة معقولة. وإذا كان العيب لا يمكن اكتشافه بالفحص المعتاد، وجب إبلاغ البائع به بمجرد ظهوره.
فإذا تأخر المشتري في الإبلاغ دون مسوغ، عُدّ قابلًا للعقار بما فيه من عيب. ويُفضل أن يكون الإبلاغ مكتوبًا، وأن يتضمن وصف العيب وتاريخ اكتشافه والطلب الموجه إلى البائع.
والأهم أن المادة (344) قررت عدم سماع دعوى ضمان العيب بعد انقضاء 180 يومًا من تاريخ تسليم العقار، وليس من تاريخ اكتشاف العيب، ما لم يلتزم البائع بضمان لمدة أطول.
ومجرد المفاوضات أو الوعود الشفهية بالإصلاح لا ينبغي الاعتماد عليه بوصفه حافظًا للمدة؛ لذلك يلزم اتخاذ الإجراء النظامي المناسب قبل انقضائها. ولا يجوز للبائع التمسك بهذه المدة إذا ثبت أنه أخفى العيب بالغش.
عيوب البناء: مسؤولية تختلف عن ضمان البائع
ينبغي التفريق بين ضمان البائع للعيب في عقد البيع، وبين مسؤولية المصمم المشرف والمنفذ عن العيوب الإنشائية.
فقد قررت المادة (29) من اللائحة التنفيذية لنظام تطبيق كود البناء السعودي مسؤولية المصمم المشرف على تنفيذ البناء والمنفذ بالتضامن عن تعويض المالك عما يحدث خلال عشر سنوات من تاريخ صدور شهادة الإشغال، من تهدم كلي أو جزئي فيما شيداه، أو من عيب خفي يهدد متانة البناء وسلامته.
ويظل هذا الالتزام قائمًا ولو كان الخلل أو التهدم ناشئًا عن عيب في الأرض ذاتها أو رضي صاحب العمل بإقامة البناء المعيب. كما يقع باطلًا كل شرط يقصد به إعفاء المقاول أو المصمم المشرف من هذا الضمان أو الحد منه.
ولا يشمل هذا الضمان العشري تلقائيًا كل ملاحظة بسيطة في الدهانات أو التشطيبات؛ بل يرتبط بالتهدم أو بالعيب الخفي الذي يهدد متانة البناء وسلامته. أما العيوب الأخرى فقد تخضع للعقد، أو لضمان البائع، أو لوثيقة التأمين، أو لقواعد المسؤولية الأخرى بحسب الحالة.
التأمين على العيوب الخفية
يوجد تأمين إلزامي على العيوب الخفية للمباني السكنية والتجارية، باستثناء المباني الحكومية، ويُشترط للحصول على رخصة البناء. وتوضح هيئة التأمين أن مدة التغطية عشر سنوات تبدأ من اكتمال البناء وإصدار شهادة الإشغال.
وتشمل التغطية، وفق شروط الوثيقة ونطاقها، العيوب غير الظاهرة في الهيكل الإنشائي، وبعض الأضرار الناتجة عن التصميم أو المواد أو فحص التربة أو التنفيذ، إضافة إلى تغطية العزل المائي وفق الضوابط والشروط الخاصة بها.
ولا يعني وجود الوثيقة أن كل عيب سيكون مشمولًا تلقائيًا؛ إذ يجب مراجعة الوثيقة، وتاريخ سريانها، والحدود والاستثناءات، وإجراءات الإبلاغ وتقديم المطالبة.
ماذا لو كان العقار مستأجرًا؟
إذا كان العقار مستأجرًا، فإن الأحكام تختلف عن البيع. فقد قررت المادة (425) من نظام المعاملات المدنية أن المؤجر يضمن العيوب التي تحول دون الانتفاع بالعقار أو تنقص منه، باستثناء العيوب التي جرى العرف على التسامح فيها أو التي كان المستأجر يعلم بها وقت التعاقد.
وإذا أدى العيب إلى حرمان المستأجر كليًا أو جزئيًا من الانتفاع بالعقار، جاز له طلب فسخ عقد الإيجار أو إنقاص الأجرة، دون إخلال بحقه في التعويض، وفق المادة (426).
كما نظم النظام بعض حالات إجراء الإصلاحات والرجوع بتكلفتها على المؤجر، إلا أن ذلك يخضع لشروط، منها إعذار المؤجر، والحصول على إذن المحكمة في الأصل، مع وجود استثناء للإصلاحات المستعجلة أو اليسيرة عرفًا. ولذلك لا ينبغي للمستأجر خصم تكاليف الإصلاح من الأجرة دون التحقق من انطباق الشروط النظامية.
ماذا تفعل عند اكتشاف عيب في العقار؟
عند ظهور العيب، يُنصح باتخاذ الخطوات الآتية دون تأخير:
- تصوير العيب وتوثيق تاريخ ظهوره وآثاره.
- اتخاذ ما يلزم لمنع تفاقم الضرر، مع المحافظة قدر الإمكان على أدلته.
- الحصول على تقرير من مهندس أو مكتب مختص يبين طبيعة العيب وسببه ومدى قدمه وإمكانية اكتشافه عند الفحص المعتاد.
- مراجعة عقد البيع ومحضر الاستلام والإعلانات والإفصاحات والضمانات والمراسلات السابقة.
- إبلاغ البائع أو المطور بالعيب كتابةً، مع تحديد الطلب بصورة واضحة.
- التحقق من شهادة الإشغال ووثيقة التأمين على العيوب الخفية إن وجدت.
- عدم إجراء تعديلات جوهرية قد تصعّب إثبات العيب قبل توثيقه، ما لم توجد ضرورة عاجلة تتعلق بالسلامة.
- اتخاذ الإجراء النظامي المناسب قبل انقضاء المدد المقررة.
وخلاصة الأمر أن وصف العيب بأنه خفي لا يعتمد على وقت اكتشافه وحده، وإنما على مدى إمكانية اكتشافه بالفحص المعتاد، وتأثيره في قيمة العقار أو الانتفاع به، ووقت وجوده أو وجود سببه. كما أن تحديد المسؤول قد يقود إلى البائع، أو المطور، أو المقاول، أو المصمم المشرف، أو شركة التأمين، بحسب طبيعة العيب والعقود والمستندات المرتبطة بالعقار.
ولأن قضايا العيوب العقارية تبدأ من التوصيف القانوني والفني الدقيق للعيب، وقد يتوقف حفظ الحق فيها على إجراء يُتخذ خلال مدة قصيرة؛ تقدم بان القانونية المساندة القانونية في مراجعة العقود والمستندات والتقارير الفنية، وتحديد المسؤول والمسار النظامي الأنسب للمطالبة، بما يساعد العميل على اتخاذ قراره على أساس واضح قبل فوات المدد النظامية.
بان القانونية؛ نقرأ تفاصيل العقار والعقد، لنرسم لك الطريق النظامي لحماية حقك.
هذه المقالة للتوعية العامة، ولا تغني عن دراسة كل حالة وفق وقائعها وعقودها ومستنداتها.