الرئيسيةالمدونةالقطاع غير الربحي

الرئيس التنفيذي المتفرغ: قيادةٌ تصنع جودة العمل غير الربحي واستدامة أثره

القطاع غير الربحي
جدول المحتويات
  1. المقدمة
  2. دور الرئيس التنفيذي في الجمعية
  3. المقصود بتفرغ الرئيس التنفيذي
  4. أثر التفرغ في جودة أعمال الجمعية
  5. الرئيس التنفيذي وتطبيق الحوكمة
  6. تمكين الرئيس التنفيذي من عمله الأساسي
  7. الخلاصة

المقدمة

شهد العمل غير الربحي تطورًا ملحوظًا في حجم أعماله، وتنوع برامجه، واتساع دائرة المستفيدين والشركاء والمانحين المرتبطين به. ولم تعد إدارة الجمعية تقتصر على تنفيذ عدد من المبادرات أو الأنشطة الموسمية، بل أصبحت عملًا مؤسسيًا يتطلب تخطيطًا، وإدارةً للموارد، وقياسًا للأداء، ومتابعةً للالتزامات، وبناءً للشراكات، وقدرةً على التعامل مع المخاطر والمتغيرات.

وقد ترتب على هذا التطور أن أصبحت الجمعيات في حاجة إلى قيادات تنفيذية متفرغة، تستطيع إدارة أعمالها بصورة مستمرة، وتحويل أهدافها إلى خطط وبرامج قابلة للتنفيذ والقياس. ومن هنا يبرز دور الرئيس التنفيذي المتفرغ بوصفه أحد أهم عناصر جودة العمل المؤسسي واستدامة أثر الجمعية.

فالجمعية قد تمتلك رسالة واضحة، ومجلس إدارة فاعلًا، وموارد مالية مناسبة، ومع ذلك لا تحقق النتائج المأمولة إذا لم توجد إدارة تنفيذية متفرغة تتولى تحويل هذه المقومات إلى عمل منظم. ذلك أن القرارات والخطط، مهما بلغت جودتها، تظل محدودة الأثر ما لم تجد من يتابع تنفيذها، ويعالج ما يعترضها من تحديات، ويقيس نتائجها بصورة مستمرة.

دور الرئيس التنفيذي في الجمعية

يتولى الرئيس التنفيذي قيادة الأعمال التنفيذية للجمعية، وتنفيذ قرارات مجلس الإدارة، وتحويل الخطة الاستراتيجية إلى برامج ومبادرات ومؤشرات أداء. كما يشرف على العاملين، ويدير الموارد، ويتابع تنفيذ البرامج، ويرفع التقارير إلى مجلس الإدارة، ويعمل على بناء العلاقات مع المستفيدين والمانحين والشركاء.

ويُعد الرئيس التنفيذي حلقة الوصل بين مجلس الإدارة والعمل اليومي داخل الجمعية؛ فالمجلس يتولى التوجيه والرقابة واعتماد السياسات والقرارات الاستراتيجية، بينما يتولى الرئيس التنفيذي تنفيذ هذه القرارات وإدارة الموارد والأعمال اللازمة لتحقيقها. ومن هنا تظهر أهمية وضوح العلاقة بين الطرفين؛ لأن تداخل اختصاصات المجلس والإدارة التنفيذية قد يؤدي إلى ازدواجية القرارات، وضعف المساءلة، وتعطل الأعمال.

ولا يعني ذلك أن يعمل الرئيس التنفيذي بمعزل عن المجلس، أو أن ينفرد بتحديد اتجاه الجمعية؛ بل يمارس صلاحياته في إطار الاستراتيجية والسياسات المعتمدة، ويزود المجلس بالمعلومات والتقارير التي تمكّنه من أداء دوره الرقابي واتخاذ قراراته على أساس واضح.

المقصود بتفرغ الرئيس التنفيذي

لا يقتصر التفرغ على تخصيص ساعات محددة للعمل، وإنما يُقصد به أن تكون إدارة الجمعية هي المسؤولية المهنية الأساسية للرئيس التنفيذي، وأن يكون حاضرًا لمتابعة أعمالها ومواردها وفريقها وبرامجها، وقادرًا على الاستجابة لما يطرأ عليها من احتياجات وتحديات.

وقد يُظن أن الجمعية الصغيرة أو الناشئة لا تحتاج إلى رئيس تنفيذي متفرغ، وأنه يمكن إدارة أعمالها من خلال الجهود الجزئية أو التطوعية. وقد يكون ذلك ممكنًا في مرحلة محدودة من التأسيس، إلا أن استمرار الجمعية وتوسع برامجها وزيادة التزاماتها يجعل الإدارة الجزئية غير كافية في الغالب؛ لأن العمل المؤسسي يحتاج إلى قيادة مستمرة، لا إلى تدخلات متفرقة عند ظهور المشكلات.

كما أن التفرغ لا يعني أن يتولى الرئيس التنفيذي جميع الأعمال بنفسه؛ فالرئيس الفاعل لا تُقاس كفاءته بكثرة التفاصيل التي يباشرها، وإنما بقدرته على بناء فريق مناسب، وتوزيع المسؤوليات، ووضع الأولويات، ومتابعة النتائج، واتخاذ القرارات في الوقت المناسب.

أثر التفرغ في جودة أعمال الجمعية

يظهر أثر تفرغ الرئيس التنفيذي أولًا في استمرارية العمل؛ إذ تكون هناك قيادة حاضرة تتابع تنفيذ الخطط والقرارات، وتربط بين الإدارات والبرامج، وتعالج أوجه القصور قبل أن تتفاقم. أما غياب التفرغ، فقد يؤدي إلى تأخر القرارات، وضعف المتابعة، وتراكم المهام، وارتباط العمل بردود الأفعال بدلًا من التخطيط المسبق.

كما يسهم التفرغ في رفع جودة البرامج والخدمات؛ لأن الرئيس التنفيذي المتفرغ يكون أقدر على متابعة احتياجات المستفيدين، ومراجعة نتائج البرامج، والتحقق من ارتباطها بأهداف الجمعية. فلا تقتصر المتابعة على عدد الأنشطة المنفذة أو المشاركين فيها، بل تمتد إلى قياس الأثر الذي أحدثته ومدى تحقيقها للنتائج المستهدفة.

ويظهر أثره كذلك في إدارة الموارد البشرية؛ فالعاملون يحتاجون إلى قيادة واضحة تحدد المسؤوليات، وتعالج المشكلات، وتتابع الأداء، وتوفر بيئة عمل مستقرة. وإذا غابت القيادة التنفيذية أو كان حضورها محدودًا، فقد تتداخل المهام، وتضعف المساءلة، ويصبح أداء الجمعية مرتبطًا باجتهاد كل موظف بدلًا من ارتباطه بخطة ونظام عمل واضحين.

ويمتد هذا الأثر إلى إدارة الموارد المالية وبناء الشراكات؛ فالرئيس التنفيذي المتفرغ يكون أكثر قدرة على متابعة الموازنة، وترشيد الإنفاق، وتنمية الموارد، وبناء علاقات مستمرة مع المانحين والشركاء. كما يستطيع تقديم صورة أكثر وضوحًا عن أعمال الجمعية ونتائجها، وهو ما يعزز الثقة بها ويدعم فرص استدامتها.

الرئيس التنفيذي وتطبيق الحوكمة

يمثل الرئيس التنفيذي الذراع التنفيذية للحوكمة داخل الجمعية؛ فهو المسؤول عن تطبيق السياسات واللوائح المعتمدة، وتنفيذ قرارات مجلس الإدارة، وتوفير المعلومات والتقارير، ومتابعة الالتزام بالصلاحيات والإجراءات.

ولا تتحقق الحوكمة بمجرد اعتماد السياسات؛ بل تتحقق عندما تتحول تلك السياسات إلى ممارسات واضحة في الأعمال اليومية. فإذا اعتمدت الجمعية سياسة لتعارض المصالح، مثلًا، فإن دور الإدارة التنفيذية هو وضعها موضع التطبيق، والتحقق من الإفصاح، وتوثيق الحالات، واتخاذ الإجراءات اللازمة وفقًا للسياسة المعتمدة.

ومع ذلك، فقد يؤدي التوسع في المتطلبات والإجراءات إلى استنزاف جزء كبير من وقت الرئيس التنفيذي في إعداد السياسات والنماذج، ومراجعة التفاصيل النظامية والفنية، ومتابعة تحديثها وتوثيقها. وهنا ينبغي التفريق بين مسؤولية الرئيس التنفيذي عن تطبيق الحوكمة، وبين مباشرته لجميع تفاصيلها التخصصية بنفسه.

فالاستعانة بالمختصين لا تعني تخلي الرئيس التنفيذي عن مسؤوليته، وإنما تساعده على أدائها بصورة أفضل؛ إذ يتولى المختص إعداد الأطر والسياسات والأدوات اللازمة، بينما يركز الرئيس التنفيذي على تطبيقها ودمجها في أعمال الجمعية ومتابعة الالتزام بها.

تمكين الرئيس التنفيذي من عمله الأساسي

من الأخطاء التي قد تقع فيها بعض الجمعيات أن تجمع على الرئيس التنفيذي مسؤوليات متعددة لا ترتبط جميعها بدوره القيادي، فينصرف جزء كبير من وقته إلى إعداد الوثائق، وصياغة السياسات، ومراجعة التفاصيل القانونية، واستكمال المتطلبات الفنية، على حساب تطوير البرامج، وقيادة الفريق، وتنمية الموارد، وبناء الشراكات، وقياس الأثر.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الحوكمة؛ بل إن الغاية هي تطبيقها بطريقة تمكّن الإدارة التنفيذية بدلًا من أن تتحول تفاصيلها إلى عبء يحد من فاعليتها. فالحوكمة الجيدة لا تزيد التعقيد، وإنما تنظم الصلاحيات، وتوضح المسؤوليات، وتساعد الرئيس التنفيذي على اتخاذ القرار ومتابعة الأداء بصورة أفضل.

ومن هنا، فإن مسؤولية مجلس الإدارة والمؤسسين لا تقتصر على تعيين رئيس تنفيذي، بل تشمل تمكينه من أداء دوره، ومنحه الصلاحيات المناسبة، وتوفير الموارد اللازمة، والاستعانة بالمختصين في الأعمال التي تحتاج إلى خبرة فنية أو قانونية.

الخلاصة

إن وجود رئيس تنفيذي متفرغ لم يعد أمرًا تكميليًا في الجمعيات التي تسعى إلى النمو والاستدامة؛ بل أصبح من أهم مقومات جودة العمل غير الربحي. فالتفرغ يحقق استمرارية القيادة، ويحسن جودة القرارات والبرامج، ويرفع كفاءة استخدام الموارد، ويعزز قدرة الجمعية على تحقيق رسالتها وقياس أثرها.

ومن الأخطاء التي قد تحد من فاعلية الجمعية أن يُستنزف وقت الرئيس التنفيذي في إعداد التفاصيل الفنية والقانونية للحوكمة ومتابعتها، على حساب دوره الأساسي في قيادة الجمعية، وتطوير برامجها، وإدارة مواردها، وتحقيق الغاية التي أُسست من أجلها.

ولا يعني ذلك ابتعاد الرئيس التنفيذي عن الحوكمة؛ فهو المسؤول عن تطبيقها في العمل التنفيذي، وإنما المقصود أن تُسند جوانبها التخصصية إلى أهل الخبرة، بما يمكّنه من التركيز على مهامه القيادية والتنفيذية.

ولأجل تحقيق هذا التوازن، جاءت باقة حوكمة الجمعيات الأهلية من بان القانونية لسد هذا الجانب التخصصي، وتمكين الإدارة التنفيذية من التركيز على عملها الأساسي: إدارة الجمعية، وتحقيق رسالتها، وتعظيم أثرها.

شارك المقال: X واتساب لينكدإن