الرئيسيةالمدونةالقطاع غير الربحي

مجلس الإدارة الفاعل وأثره في حوكمة الجمعيات وجودة أعمالها

القطاع غير الربحي
جدول المحتويات
  1. المقدمة
  2. دور مجلس الإدارة في حوكمة الجمعية
  3. المقصود بتفعيل مجلس الإدارة
  4. أثر تفعيل المجلس في جودة أعمال الجمعية
  5. مسؤولية تبدأ من التأسيس

المقدمة

تكشف الممارسة العملية أن جانبًا من إخفاقات الجمعيات لا يرجع بالضرورة إلى ضعف رسالتها، أو قلة مواردها، أو محدودية الفرص المتاحة أمامها؛ وإنما يعود في أساسه إلى عدم ممارسة مجلس الإدارة لاختصاصاته وصلاحياته على الوجه المطلوب، أو إلى حضوره بصورة شكلية لا يقابلها دور فاعل في التوجيه والرقابة والمتابعة.

فإذا ضعف دور المجلس، غاب التوجيه الواضح، وتداخلت الصلاحيات، وضعفت الرقابة والمساءلة، وأصبحت القرارات أكثر ارتباطًا بالاجتهادات الفردية وأقل اعتمادًا على المعلومات والمؤشرات. وينعكس ذلك على كفاءة استخدام الموارد، وجودة البرامج، وقدرة الجمعية على إدارة مخاطرها وتحقيق أثر مستدام. ولا يعني هذا أن مجلس الإدارة يتحمل وحده مسؤولية كل إخفاق، لكنه يظل الجهة الأقدر على الوقاية من كثير من أوجه القصور أو الحد من آثارها متى مارس دوره بفاعلية.

ومن هنا، فإن تفعيل مجلس الإدارة لا يُعد مسألة تنظيمية داخلية فحسب، ولا يتحقق بمجرد تشكيل المجلس وعقد اجتماعاته؛ بل يمثل نقطة البداية في بناء حوكمة حقيقية داخل الجمعية. فالحوكمة تقوم على وضوح المسؤوليات، وسلامة القرارات، والشفافية، والمساءلة، وهي أمور لا يمكن أن تتحقق ما لم يوجد مجلس إدارة يدرك مسؤولياته، ويمارس صلاحياته، ويتابع نتائج قراراته.

دور مجلس الإدارة في حوكمة الجمعية

يتولى مجلس الإدارة توجيه أعمال الجمعية والإشراف عليها بما يحقق الأهداف التي أُنشئت من أجلها، ويحافظ على مواردها واستدامتها. ويشمل ذلك رسم التوجه الاستراتيجي، واعتماد الخطط والسياسات، ومتابعة الأداء المالي والإداري، والإشراف على الإدارة التنفيذية، والتأكد من التزام الجمعية بالأنظمة واللوائح والسياسات المعتمدة.

كما يقع على عاتق المجلس متابعة المخاطر التي قد تؤثر في أعمال الجمعية أو سمعتها، والتحقق من سلامة الإجراءات المالية والإدارية، وإدارة حالات تعارض المصالح، والتأكد من توجيه موارد الجمعية نحو البرامج والأنشطة المرتبطة برسالتها واحتياجات المستفيدين.

ولا يعني إشراف المجلس أن يتولى أعضاؤه مباشرة الأعمال التنفيذية اليومية؛ لأن الأصل أن يركز المجلس على التوجيه والرقابة واتخاذ القرارات الاستراتيجية، بينما تتولى الإدارة التنفيذية تنفيذ تلك القرارات وإدارة الأعمال اليومية. ومن هنا تظهر أهمية تحديد الاختصاصات والصلاحيات بين المجلس والإدارة التنفيذية؛ لأن تداخل الأدوار قد يؤدي إلى اضطراب القرارات، وضعف المساءلة، وعدم وضوح المسؤولية عند وقوع التقصير.

المقصود بتفعيل مجلس الإدارة

يُقصد بتفعيل مجلس الإدارة تمكينه من ممارسة اختصاصاته بصورة حقيقية ومنظمة، بحيث لا يقتصر دوره على اعتماد القرارات المعدة مسبقًا أو حضور الاجتماعات دون مشاركة مؤثرة. فالمجلس الفاعل يناقش، ويسأل، ويطلب المعلومات، ويراجع النتائج، ويتابع تنفيذ القرارات.

ولا تُقاس فاعلية المجلس بكثرة اجتماعاته وحدها، وإنما تُقاس بجودة الموضوعات التي يناقشها، ووضوح المعلومات التي تُعرض عليه، وأثر القرارات التي يتخذها، ومدى متابعته لتنفيذها. فقد يعقد المجلس اجتماعات متعددة دون أن ينعكس ذلك على أداء الجمعية، في حين يستطيع مجلس آخر تحقيق نتائج أفضل من خلال اجتماعات منظمة تسبقها تقارير واضحة، وتتبعها قرارات محددة، مع تعيين المسؤول عن تنفيذ كل قرار والمدة المقررة لذلك.

ويبدأ تفعيل المجلس من حسن اختيار أعضائه؛ إذ ينبغي أن يجمع تشكيله بين المعرفة بمجال عمل الجمعية، والخبرات المالية والقانونية والإدارية والاستراتيجية. كما يتطلب التفعيل تعريف الأعضاء بمسؤولياتهم وصلاحياتهم، وتزويدهم بالمعلومات اللازمة، وتنمية مهاراتهم في مجالات الحوكمة والإشراف وإدارة المخاطر.

ومن وسائل التفعيل كذلك إعداد خطة سنوية لأعمال المجلس، وتحديد الموضوعات التي تحتاج إلى متابعة دورية، مثل الأداء المالي، وتنفيذ الخطة الاستراتيجية، والمخاطر، وجودة البرامج، والالتزام بالسياسات. ويضاف إلى ذلك توثيق القرارات ومتابعة تنفيذها، وتفعيل سياسة تعارض المصالح، وتشكيل اللجان بحسب حاجة الجمعية وحجم أعمالها، وتقييم أداء المجلس وأعضائه بصورة دورية.

أثر تفعيل المجلس في جودة أعمال الجمعية

يظهر أثر مجلس الإدارة الفاعل أولًا في وضوح اتجاه الجمعية؛ فحين يحدد المجلس الأولويات والأهداف، تصبح الإدارة التنفيذية أكثر قدرة على توجيه الجهود والموارد نحو البرامج الأعلى أهمية والأكثر ارتباطًا باحتياجات المستفيدين. أما غياب التوجيه، فقد يؤدي إلى تعدد المبادرات وتشتت الجهود، مع ضعف أثرها الفعلي.

كما يسهم المجلس الفاعل في رفع كفاءة استخدام الموارد؛ من خلال مراجعة الموازنات والتقارير المالية، والتحقق من وجود ضوابط داخلية مناسبة، ومتابعة أوجه الإنفاق ومدى ارتباطها بأهداف الجمعية. وتظهر أهمية ذلك بوجه خاص في الجمعيات التي تعتمد على التبرعات أو المنح؛ لأن المحافظة على ثقة المانحين لا تتحقق بجمع الموارد فقط، بل بحسن إدارتها والإفصاح عن أوجه استخدامها ونتائجها.

ويمتد أثر تفعيل المجلس إلى تحسين جودة القرارات؛ فالقرار المبني على تقارير ومؤشرات أداء وبيانات واضحة يكون أقرب إلى تحقيق المصلحة من القرار المبني على الانطباعات الفردية. كما تساعد المتابعة المنتظمة على اكتشاف أوجه القصور والمخاطر في وقت مبكر، ومعالجتها قبل أن تتحول إلى مشكلات مالية أو إدارية أو نظامية.

ولا يقتصر أثر المجلس الفاعل على الجوانب الإدارية والمالية، بل يمتد إلى جودة البرامج والخدمات المقدمة للمستفيدين. فالمتابعة لا ينبغي أن تنحصر في عدد البرامج المنفذة أو أعداد المشاركين فيها، وإنما تشمل قياس نتائجها ومدى تحقيقها للأهداف المحددة لها. فقد تنفذ الجمعية عددًا كبيرًا من الأنشطة، ومع ذلك يكون أثرها محدودًا إذا لم تُبنَ على احتياج واضح أو لم تخضع للتقييم والمراجعة.

ومن جهة أخرى، فإن التزام المجلس بالشفافية والمساءلة ينعكس على ثقافة الجمعية بأكملها. فإذا كان المجلس واضحًا في قراراته، ملتزمًا بالإفصاح، وجادًا في متابعة الأداء، انتقلت هذه الممارسات إلى الإدارة التنفيذية والعاملين. وبذلك تصبح الحوكمة ممارسة مؤسسية يومية، لا مجرد سياسات مكتوبة أو متطلبات تُستكمل عند الحاجة.

مسؤولية تبدأ من التأسيس

ينبغي للمؤسسين النظر إلى تشكيل مجلس الإدارة بوصفه قرارًا مؤثرًا في مستقبل الجمعية، لا إجراءً لازمًا لاستكمال تأسيسها. فاختيار أعضاء تتوافر فيهم الكفاءة والالتزام وتنوع الخبرات يساعد على بناء جمعية قادرة على الاستمرار، ويحد من ارتباط أعمالها بأشخاص محددين.

كما أن قبول عضوية مجلس الإدارة لا ينبغي أن يُفهم على أنه منصب تشريفي؛ بل هو مسؤولية تقتضي الحضور والمشاركة والاطلاع والاستعداد لاتخاذ القرار وتحمل نتائجه. وكلما كان الأعضاء أكثر فهمًا لهذه المسؤولية، كان المجلس أقدر على حماية رسالة الجمعية وتحقيق مصالحها ومصالح المستفيدين منها.

وخلاصة الأمر أن حوكمة الجمعية تبدأ من مجلس إدارة فاعل، ولا تتحقق بمجرد وجود اللوائح والسياسات؛ فالمجلس الذي يمارس دوره في التوجيه والرقابة والمساءلة يسهم في تحسين جودة البرامج، ورفع كفاءة الإنفاق، وتقليل المخاطر، وتعزيز ثقة المستفيدين والمانحين والشركاء.

ولتحويل هذه المبادئ إلى ممارسة مؤسسية فاعلة، أعدّت بان القانونية باقة حوكمة الجمعيات الأهلية؛ بهدف تفعيل دور مجلس الإدارة، وتنظيم صلاحياته وعلاقته بالإدارة التنفيذية، وبناء السياسات والإجراءات اللازمة لرفع مستوى الامتثال وجودة الأعمال واستدامة الأثر.

لأن الحوكمة لا تبدأ بكثرة النماذج، بل بمجلس يعرف دوره ويمارسه بفاعلية.

شارك المقال: X واتساب لينكدإن